مقدمة
"الهوية هي محيط الأمن الجديد" — جملة ترددت في مؤتمرات الأمن على مدى السنوات الأخيرة، لكنها لم تصبح حقيقةً واقعية بشكل كامل إلا مع موجة تحوّل السحابة وانتشار العمل عن بُعد. حين تعمل فرق كاملة من أنحاء العالم عبر أجهزة متنوعة وشبكات متعددة، يفقد المفهوم التقليدي للمحيط (perimeter) معناه. ما يبقى ثابتاً هو الهوية — من أنت، ما تملكه من صلاحيات، وماذا تفعل بها.
وفق تقرير Verizon DBIR 2023، ترتبط 74% من اختراقات البيانات بعنصر بشري يشمل بيانات اعتماد مسرَّبة أو مُسرقة. وفي 80% من حوادث الاختراق المؤسسية، تمثّل الحسابات المميزة (Privileged Accounts) حلقة رئيسية في سلسلة الهجوم.
أولاً: منظومة إدارة الهوية والوصول (IAM)
1. المصادقة متعددة العوامل (MFA)
الخط الدفاعي الأكثر فعاليةً مقارنةً بتكلفته. تحمي MFA من نحو 99.9% من هجمات اختطاف الحسابات وفق بيانات Microsoft. ومع ذلك، تستطيع هجمات MFA Fatigue (قصف المستخدم بطلبات موافقة حتى يقبل إحداها) تجاوزها — مما دفع نحو FIDO2 والمفاتيح المقاومة للتصيد.
2. تسجيل الدخول الموحد (SSO)
يُوازن بين تجربة المستخدم والأمن: بيانات اعتماد واحدة لتطبيقات متعددة تُقلّص إرهاق كلمات المرور وإعادة استخدامها. يُصبح نقطة تركّز خطر في الوقت ذاته — اختراق حساب SSO يفتح كل الباقة. التكامل مع MFA قوية ومراقبة الجلسات ضرورة لا خيار.
3. التحكم في الوصول المبني على الأدوار (RBAC) مقابل الصفات (ABAC)
RBAC يُخصص صلاحيات بناءً على الوظيفة — بسيط وقابل للتدقيق. ABAC يُضيف سياقاً ديناميكياً: الوقت، الموقع الجغرافي، نوع الجهاز، مستوى المخاطرة الحالي — أكثر دقةً وأصعب إدارةً. الجمع بينهما في نماذج هجينة يُحقق التوازن الأمثل لمعظم المؤسسات.
ثانياً: إدارة الوصول المميز (PAM)
ما الذي يجعل الحسابات المميزة هدفاً استراتيجياً؟
المسؤول النظامي، حساب قاعدة البيانات، خدمة العمليات الآلية — هذه الحسابات تمتلك صلاحيات تتجاوز قدرة الرقابة البشرية العادية، وكثيراً ما تعمل دون مراجعة دورية لضرورتها الفعلية. تسمية هذه الحسابات "ذهب القراصنة" ليست مبالغةً.
1. قبو بيانات الاعتماد (Credential Vaulting)
تخزين كلمات مرور الحسابات المميزة مشفَّرةً في مستودع مركزي مُحكَم، مع تدوير تلقائي دوري. لا يعرف المسؤول كلمة المرور الفعلية — يطلبها لمهمة محددة بفترة صلاحية محدودة.
2. الوصول في الوقت المناسب (Just-In-Time Access)
لا صلاحيات دائمة — الوصول المميز يُمنح لمهمة محددة ولوقت محدد ثم يُلغى تلقائياً. يُقلص بشكل جذري مبدأ الامتياز الدائم Standing Privilege الذي يُوسّع سطح الهجوم دون مبرر.
3. تسجيل الجلسات والتدقيق
كل جلسة وصول مميز تُسجَّل كاملاً — شاشةً وأوامر ونشاطاً — لأغراض الجنائيات الرقمية والامتثال. أنظمة AI تُحلل هذا التسجيل آلياً للكشف عن سلوك مشبوه في الوقت الفعلي.
ثالثاً: نموذج الثقة المعدومة (Zero Trust) في التطبيق العملي
مبدأ "لا تثق بأحد، تحقق دائماً" يتجسد في أنظمة IAM/PAM عبر:
- التحقق المستمر: المصادقة لا تحدث مرةً واحدة عند الدخول — بل تُعاد تقييم تقييم المخاطرة باستمرار خلال الجلسة.
- الوصول الأدنى دائماً: أي حساب يملك قدراً أدنى من الصلاحيات اللازمة لمهمته فقط، وأي إضافة تستوجب طلباً موثَّقاً.
- افتراض الاختراق: بناء الأنظمة على افتراض أن الاختراق ممكن وتصميم الضوابط بحيث تحدّ من انتشاره.
خاتمة
في عالم تذوب فيه حدود الشبكات وتتعدد نقاط الوصول، لم يعد السؤال "هل وصلت من الشبكة المناسبة؟" بل "هل أنت من تقول إنك أنت؟ وهل تفعل ما يُفترض أن تفعله؟". الاستثمار في منظومة IAM/PAM المحكمة ليس نفقةً — بل أساس البنية الأمنية الحديثة التي تُمكّن الأعمال دون المساومة على الأمان.

أضف تعليقًا